هذه معركة تحرير اليمن كلها، وليست معركة تحرير تبةٍ أو موقعٍ أو جبل . وما تحقق في عملية تحرير ذوباب وباب المندب والعمري والمخا كان يستوجب الإسناد بعمليات مماثلة ومتزامنة في جبهات الجوف والبيضاء وحجة ولحج ومأرب والضالع ، وسواها من جبهات القتال .
فلماذا اقتصرت معركة التحرير وتلاشت في معارك ثانوية في الوازعية ومواضع مختلفة في ريف تعز ؟.
الحرب الشاملة لا تُدار بمنطق "الجبهة المنفصلة"، بقدر ما تدار بمنطق "المسرح الواحد". فكل جبهة هي امتداد للأخرى، وكل انتصار جزئي يجب أن يُترجم فورًا إلى ضغط في الاتجاه الاستراتيجي . إن عزل معركة الساحل الغربي عن بقية جبهات القتال يعني منح المليشيات فرصة "التنفس العملياتي" وهو خطأ استراتيجي قاتل .
الحرب الشاملة ليست مجرد تعدد جبهات، بقدر ما هي عقيدة تقوم على أن كل جهد، وكل رصاصة، وكل تحرك، يجب أن يخدم الهدف الأسمى ؛ تحرير اليمن واستعادة الدولة . ومن ثم، فإن أي معركة لا تخدم هذا الهدف هي إما معركة ثانوية أو معركة مشتتة ، وكلتاهما مرفوضتان في عقيدة الحرب الشاملة .
والجماعة الحوثية الباغية باتت مستنزفة، فلم يبقَ لديها إلا الصواريخ وفتيانٌ أثبتت المعارك الأخيرة أنهم لا يملكون مهارات قتالية، حتى إن قناصتها لم يعودوا بتلك المهارة التي كانوا عليها خلال الأعوام الماضية .
المليشيات مستنزفة ،ولكن الاستنزاف لا يتحول إلى نصر إلا إذا تُرجم إلى ضغط عسكري متزامن ومتواصل في كل الجبهات ،ويفضي إلى الانهيار . أما إذا تُركت المليشيات تستنزف نفسها في جبهة واحدة، فقد تجد في جبهة أخرى فرصة لالتقاط الأنفاس ، وتعيد ترتيب صفوفها كما حدث فعلًا في جبهات عدة ، وهذا ما يجب منعه.
الميليشيات بطبيعتها كائن "انتهازي" يزدهر في الفراغات ، وكل انقطاع في العمليات يمنحها فرصة إعادة التمركز والتسلل .
نعم لا تنفع معها المعارك المحدودة على تبةٍ أو جبل؛ إذ إن خوض حرب العصابات يكون مجديًا لها؛ لأنها لا تحارب وفق الأساليب الحديثة بانساق فصائل وسرايا وكتائب، وإنما بمجاميع مسلحة تشبه -إلى حدٍّ بعيد ـ قطيع الذئاب، وهو تكتيك قديم استخدمته البحرية الألمانية ضد الحلفاء، فبمجرد رؤية سفينة تنقضّ عليها الغواصات من كل ناحية .
وهذا "القطيع الحوثي" يستخدم أسلوب التسلل إلى عمارةٍ أو شارع أو تبةٍ، ثم إعلان الصرخة، وهو أسلوب عرفناه في معارك سابقة، القصد منه بث الإشاعة وإثارة الهلع بين العوام؛ وحين تُسمع الصرخة في مؤخرة القوات الموالية للشرعية، سرعان ما يتم الانسحاب، وكثيرًا ما تُرك السلاح .
الصرخة سلاح نفسي بامتياز ، والتعامل معها لا يكون بالانسحاب، وإنما بالوعي والتماسك والانضباط . فالجيش الذي يعرف طبيعة الحرب النفسية لا يهتز أمام هتافات العدو . إن أي انسحاب بسبب "الصرخة" هو استسلام نفسي قبل أن يكون عسكريًا ، وهذا ما يجب أن يُعالج بالتدريب والتلقين العقائدي .
لقد نجحت ألوية درع الوطن والعمالقة الجنوبية في تحرير تلك المساحة الشاسعة في غضون ساعات؛ لأنها اعتمدت التكتيك والسرعة، وهذه ميزة المعارك الحديثة، وهذا الأسلوب الشامل لا تجيده الميليشيات الحوثية ولا تحبذه .
ما حققته ألوية درع الوطن والعمالقة ليس مجرد انتصار تكتيكي، بل نموذج عقائدي ؛ السرعة في الحركة والمناورة تكسر حسابات الميليشيات التي تعتمد على التمركز والتسلل . الحرب الحديثة حرب حركة ، لا حرب مواقع ، ومن يتمسك بحرب المواقع ضد ميليشيات ، يخسر مرتين ؛ مرة في الزمن، ومرة في المبادرة.
الخلاصة: ينبغي أن تُدار المعركة بشمولية وعلى مختلف الجبهات وفي وقت واحد لا انقطاع فيه. أما إذا بقيت قواتنا تحارب بهذا الأسلوب المقتصر على موقعٍ أو جبلٍ أو معسكر، فإن الميليشيات معتادة عليه، وستدفع بالمزيد من المقاتلين إلى جبهة الساحل الغربي، وربما أفلحت في استعادة ما خسرته.
من يملك المبادرة يفرض إيقاع المعركة . أما من يقتصر على ردود الأفعال في مواقع محددة، فيمنح العدو حرية اختيار الزمان والمكان . وفرض الإيقاع يعني أن تكون أنت من يحدد متى وأين تُخاض المعركة، لا أن تنتظر العدو ليختار لك ساحة المواجهة .
العاصمة صنعاء ليست هدفًا عسكريًا أو جغرافيًا فحسب، وإنما هي مركز ثقل المليشيات السياسي والنفسي واللوجستي ، وتوجيه الجهود نحوها لا يعني إهمال بقية الجبهات الأخرى ، بقدر ما يعني جعلها جميعًا تخدم هذا الهدف النهائي ، فأي معركة لا تخدم هذا التوجه هي معركة ثانوية ، مهما بدت مغرية .
ما ينقص معركة التحرير ' فجر اليمن " ليس القوة، ولا العتاد، ولا الرجال ، بل العقيدة الشاملة . فالميليشيات الحوثية لا تُهزم بمعارك محدودة، وإنما بعقيدة حرب شاملة تُدار بعقل واحد، وتتنفس من رئة واحدة، وتتجه نحو هدف واحد : صنعاء.
وكل ما دون ذلك ... هدير ونفير وأكاذيب وخداع لا قيمة لها ولا وجود في الواقع ، هذا إذا لم نقل إنها خيانة وخذلان لجبهات يفترض أنها صديقة ..
