تعز أكبر كتلة سكانية نشطة وعاملة في اليمن، بنحو 6 ملايين مواطن، داخل المحافظة وفي مختلف أنحاء الجمهورية. ومع ذلك، ظلت هذه المحافظة، طوال سنوات الحرب والحصار، خارج دائرة الاهتمام الإنساني الذي يفترض أن يتجاوز الحسابات السياسية والاصطفافات. ففي الوقت الذي تعالت فيه أصوات ناشطات وناشطين ومنظمات حقوقية إزاء معركة تحرير الحديدة ومآلات اتفاق استوكهولم، غابت الأصوات ذاتها، أو خفتت إلى حد التجاهل، أمام مأساة حصار تعز، المستمر منذ سنوات، وما يترتب عليه من معاناة إنسانية واقتصادية يومية.
وحصار تعز هذا، لم يكن عقابًا جغرافيًا لسكان محافظة فحسب، بل استهدافًا لشريان حيوي من شرايين اليمن، أصاب حركة الناس والبضائع، ورفع كلفة النقل، وضغط على أسعار السلع والمشتقات النفطية، وفاقم اختلالات السوق وسعر العملة. فحين تُخنق تعز، لا يتوقف الضرر عند حدودها الإدارية؛ بل يمتد ضررها إلى المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي تربط أجزاء البلاد ببعضها.
ذلك أن تعز ليست مدينة هامشًية في الجغرافيا اليمنية، بل عقدة اتصال استراتيجية بين أهم مراكزها، صنعاء العاصمة السياسية، وعدن العاصمة الاقتصادية، كما تتصل بمحافظتي إب ولحج، وبالحديدة وموانئها، والمخا وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية!. ومن ثم، فإن إغلاق منافذ تعز وتقييد الحركة عبرها لا يستهدف المحافظة وحدها، بل يضغط على التواصل بين مناطق الجمهورية، ويضاعف كلفة الانقسام والحرب على الاقتصاد الوطني برمته.
فوق ذلك، تعز ليست مجرد كتلة بشرية كبيرة ونشطة، بل مركز اقتصادي وإنتاجي فاعل؛ تتقدم الجميع في الإيرادات المحلية، وتملك قاعدة صناعية بارزة، وتنافس منتجاتها الزراعية منتجات المحافظات الأخرى. وهذا ما يجعل استهدافها أبعد من كونه ضغطًا عسكريًا على جبهة مقاومة؛ بل استنزاف لمحافظة ذات وزن سكاني وإنتاجي وجغرافي، وتهديد لقدرتها على أداء دورها في دورة الاقتصاد الوطني.
لكن الحسابات التي راهنت على أن الحصار سيُنهك تعز حتى تنكسر، اصطدمت بصلابة الأرض والإنسان والوعي. فقد أنتجت سنوات الحصار مقاومةً وصمودًا ووعيًا وطنيًا، لا ينحصر أثره الملحمي داخل حدودها، بل يمتد كمصدر تأثير وإلهام إلى أبعد من محيطها الجغرافي والسياسي المقاوم إسنادا بشريا ومعنويا وماديا، في خطوط المواجهة، من العاصمة المؤقتة عدن جنوبا إلى جبهات المواجهة والحرب شرقًا وغربًا وشمالًا.
هنا تحديدًا تكمن صلة الحصار السابق بالتصعيد الراهن، فتوغل الحوثي باتجاه قرى تعز وعزلها ومديرياتها وجبالها، هو انتقال من الضغط على حياة السكان ومنافذهم الحيوية إلى الضغط عليهم بالنار والمواجهة المباشرة. قرية قرية عزلة عزلة مديرية مديرية! وهو ما يرفع كلفة المواجهة، ويوسع نطاق الاستهداف، ويضع السكان ومناطقهم أمام مخاطر أشد فتكًا.
التصعيد الذي قلن انه امتداد للحصار بأدوات أكثر عنفًا، ينطوي على مفارقة مهمة؛ فالمواجهة المباشرة مع مجتمع راكم سنوات من الصمود والمقاومة لا تضمن إخضاعه، بل تحوّل المعركة إلى اختبار وجودي للطرف الانتحاري. إنها مواجهة صفرية تتجاوز معادلة غالب ومغلوب؛ الى منتصر ومنتحر! لأنها تضع مشروعها الطائفي في مواجهة مجتمع يرى في مقاومته دفاعًا عن وجوده وهويته وكرامته وحقه في الحياة والحركة والعمل. ولا يساورنا الشك في أن تعز، بما راكمته من صمود ووعي ومقاومة، قادرة على إفشال رهانات الإخضاع، وأن يجعلوا هذا التصعيد أقصر الطرق لإنهاء المشروع السلالي في اليمن.
#تعز_تنتصر
