20 أكتوبر، 2026
ثقافة وفن

قراءة خاطفة في رواية "ظلال الغربة" لمحمد علي محسن.

الموعد بوست 7 أكتوبر، 2026
قراءة خاطفة في رواية "ظلال الغربة" لمحمد علي محسن.
الموعد بوست - خاص

من ضلال الوطن إلى ظلال الوطن البديل.

مفارقات المكان.

د محمد مسعد العودي

محمد علي محسن سارد يبحث في مشروعه السردي المتضمن لرواياته "حقل الفؤاد.. الشرق أشجان.. عائدون.. في ظلال الغربة" عن القيم الإنسانية التي يمكن أن يجتمع حولها البشر خارج إطار الجغرافيا ومحمد ينتمي للجغرافيا العربية وقبلها اليمنية وقبلها الضالعية.. تهمُّه هذه الحدود فقد كتب عنها.. عن الضالع عن تاريخها وجغرافيتها.. إمارة الضالع.. تاريخا وأرضاً وسلطةً وشعباً.. عن "حقل الفؤاد" ومن خلال هذا العنوان تظهر حقيقة انتماء محمد للأرض بل التصاقه بالمكان الذي أول ما فتح عينيه رآه لكن ذلك المكان لم يقف حاجزاً أمام محمد ليكتب عن موسكو.. ومدن روسية أخرى.. عن برمنجهام عن نيويورك عن منهاتن عن مدن عربية متعددة لأن محمد يعشق الأرض كل الأرض والإنسان كل الإنسان بتعدد قومياته وتعدد دياناته.. هو عربي مسلم ويعتز بذلك لكنه لا يتعصب له فهو مؤمن بحرية الإنسان واحترام اختياراته والبحث عن سبل التعايش معه فتلك هي القضية المحورية التي تجسدها روايات محمد وكتاباته الصحفية بوصفه من أشهر من كتب في الصحافة اليمنية بعيدا عن التعصب للمكان والشعب ومثلما يعشق محمد الإنسانية وقيمها الرفيعة فإنه يعشق الحقيقة ولو كانت على حساب انتمائه الجغرافي والإنساني فهو لا يتعصب للضالع ولا لليمن ولا للعروبة والإسلام بل يكتب الحقيقة ويسعى لكشفها للآخر فهو لا يهمه في قول الحق لومة لائم.. كتب عن اليهود والنصارى وغير ذلك.. أظهر المشترك الجميل بيننا وبينهم.. المشترك الذي يجب أن نشتغل عليه وتحدث عن المفارقات بيننا وبينهم وكشف ما هو لنا وما هو لهم وما هو علينا وما هو عليهم فوصل الى نتيجة مهمة ألا وهي أننا بإمكاننا أن نتعايش بود وسلام ولكن شذاذ الآفاق وأشرار الأرض في كل الأمكنة والأزمنه هم من جعلوا الإنسانية تتشظى.

في "ظلال الغربة" آخر رواية كتبها محمد.. أول ماتلج إلى ذلك العالم يلفت انتباهك وعي الذات بالمكان.. جغرافيته وسلوكه وتاريخه.. يعرف جيدا جغرافية المكان وسلوكه وتاريخه زاره أم لم يزره وما ذاك إلا دلالة على عشق الذات لأمكنة العالم كل العالم وأزمنته وأهله كل أهله.

في روايته الأخيرة هذه يفر من الوطن ليطوف بأمكنة العالم البعيدة عبر شخصياته الرئيسة الأربع أولاد محمد قاسم الدميني:

عبد الناص وأحمد وعلي وفاطمة.. هروبا من قهر الوطن

من خلال هذه الرحلات التي تطوف بها الذات العالم شرقه وغربه عربه وعجمه:

بريطانيا أميركا كندا روسيا السعودية.. في هذه البلدان تكون الذات قد حققت طموحاتها بالعيش في العالم كله رغم كل تناقضاته. تتوحد الأمكنة والتاريخ والسلوك في كائن يعيش على البسيطة اسمه الإنسان ويتعايش الشرقي مع الغربي والمسلم مع المسيحي حين يستطيع التفكير العميق والهادئ أن يوضح للآخر حقيقة المشترك بين الناس اجتماعيا ودينيا وسلوكيا ولا يمكن أن يتجاوز ذلك بغير الحب الذي يذيب كل الفوارق.. ذابت المسيحية في الإسلام والإسلام في المسيحية حين ذابت كاترين بعبد الناصر وعبد الناصر بكاترين وهو ديدن السارد محمد فقد ذوَّب راحيل الفتاة اليهودية بالفتى العربي الذي ماعدت أتذكر اسمه.

الحقيقة أن الذات حينما قُهرت وقُمعت وجاعت وشعرت بالاغتراب بسبب التغريب الذي يمارسه عليها الواقع القامع لطموحها والمانع لحاجاتها شدَّت الرحال إلى المكان البديل

فهاجرت الذات في جسد عبد الناصر الى برمنجهام ثم نيويورك فحققت ما تريد.

وهاجرت الذات في جسد أحمد الى السعودية من أجل المال فوجدت قليلا من المال لكنها وجدت كثيرا من القمع الى حد الإهانة فأضاعت من العمر أحسنه فتركت المكان القامع لحرية الذات.. المكان الذي يسألها عن الإقامة وتجديدها في كل منعطف.. أدركت متأخرة أن الحل هو الهروب من الضلال بحثا عن الظل.. الهروب من مكان يعاملك بفوقية وينظر إليك منتقصا ومواطنا من الدرجة الرابعة رغم وحدة القومية والدين والجغرافيا.. في كندا وجدت كل شيء دون أن تسأل عن أي شيء وحصلت على الجنسية فليست بحاجة للإقامة والعمل بجهد يأخذ الوكيل جزءا من ذلك العرق لا بارك الله له فيه.

أما علي الذي يريد أن يبقى في الوطن فقد هاجر ليستظل بظل المكان البديل ولكن ليس ليبقى فيه بل ليستظل ويأخذ منه العلم الزراعي فيعود ليزرع أرضه ولكنه حين عاد تحطمت طموحاته على صخرة الواقع المر.

إن الذات تتشظى بين الوطن والوطن البديل لكن أحساس الذات بالانتماء لوطن كيفما كان وذات تسعى لتعيش بحرية وراحة وسكون فترى أن الهجرة تمنح الذات كل ما تريد.. فتستظل بظل الوطن البديل لكن ترك الوطن يصبح صعبا إذ تظل الذات دائمة الحنين إليه فتعود الذات للوطن بالشخصيات الثلاث فتعود اثنتان الى الوطن البديل حين لم تجدا في الوطن ما يمكنهما من العيش كما يريدان لكن شخصية علي الذي يعاني فيفضل جحيم الوطن على جنة الوطن البديل لأنه الوطن بالنسبة له ليس أكل وشرب وراحة بل هو معنى لا يحده حد.

ما حدث هو أمنية الذات ليكون وطنها كبقية أوطان العالم وهو حلمها الأزلي الذي تحيا من أجل تحقيقه. حينما ننظر الى الوطن البديل وكيف يعيش الناس وننظر الى وطننا المعجون برائحة الدم والبارود والتخوين نحزن الى حد البكاء..

تمتعك الرواية بقيمها الفنية وتبكيك بقيمها الدلالية.

شارك هذا الموضوع
الموعد بوست