الخميس ١٦ أبريل ٢٠٢٦
ثقافة وفن

البن اليمني - أصل القهوة في العالم ورحلة الحبة الذهبية من اليمن إلى الكون

البن اليمني - أصل القهوة في العالم ورحلة الحبة الذهبية من اليمن إلى الكون

قبل أن يُصبح الاستيقاظ على رائحة القهوة طقساً يومياً لأكثر من مليار إنسان حول الأرض، كان ثمة وادٍ في جبال اليمن الخضراء حيث اكتشف الإنسان لأول مرة سحر هذه الحبة الصغيرة. من تلك الجبال اليمنية الشاهقة انطلقت رحلة القهوة لتُشكّل جزءاً لا يتجزأ من حضارة الإنسانية الحديثة. والبن اليمني، في أصنافه النادرة ونكهاته الفريدة، لا يزال اليوم بعد ستة قرون من اكتشافه يحتل مكانةً أسطوريةً في عالم القهوة المتخصصة.

الأصول الأولى - الحبشة واليمن وأسطورة خالد

تتشابك روايات متعددة حول الاكتشاف الأول للقهوة، تتقاطع كلها عند شبه الجزيرة العربية وأفريقيا. الرواية الأكثر انتشاراً تحكي عن الراعي الحبشي "خالد" (أو كالدي) الذي لاحظ في القرن التاسع الميلادي نشاطاً غير معهود في ماعزه بعد أن رعت ثمار شجر معين في الغابة. غير أن التاريخ الموثق يُرجع تحمير حبوب البن والتحضير المعروف للشراب إلى اليمن في القرن الخامس عشر الميلادي. ويُعتقد أن الصوفيين في اليمن، لا سيما في منطقة عدن وتهامة، كانوا أول من استخدم القهوة المطبوخة لمساعدتهم في السهر لممارسة العبادة والذكر ليلاً.

ميناء المخا - بوابة القهوة إلى العالم

أدّى ميناء المخا (موكا) اليمني على البحر الأحمر دوراً محورياً في نشر القهوة عبر العالم. خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كان ميناء المخا نقطة التصدير الوحيدة تقريباً للبن في العالم، مما منح اليمن احتكاراً تجارياً شبه تام على هذه السلعة النفيسة. وقد حرص اليمنيون لفترة طويلة على سلق الحبوب قبل تصديرها لمنع إنبات الشتلات في بلاد أخرى. وبمرور الوقت، غدا اسم "موكا" مرادفاً للقهوة ذات الجودة العالية في معظم لغات العالم.

المقاهي اليمنية - الحضارة التي أنجبت الفضاء العام

لم تكن القهوة في اليمن مجرد مشروب؛ كانت لحظةً اجتماعيةً وثقافيةً راقية. انتشرت المقاهي في صنعاء وعدن وزبيد وغيرها من المدن اليمنية، وغدت فضاءات للنقاش السياسي والشعر والتجارة والتسلية. ومن اليمن انتقلت هذه الثقافة المقهيّة إلى مكة المكرمة ثم إلى القاهرة والإسكندرية واسطنبول ومنها إلى أوروبا. كانت المقاهي الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر وريثةً مباشرةً للمقاهي اليمنية في روحها ووظيفتها الاجتماعية.

أصناف البن اليمني النادرة

تتمتع اليمن بتنوع جيني استثنائي في أصناف البن يجعلها فريدةً من نوعها. من أشهر الأصناف اليمنية الموثقة: الإسماعيلي (يُعدّ من أغلى بن الأرابيكا في العالم)، الحيمي (نسبة إلى منطقة حيمة في إب)، الريمي، الودي، الحرازي، البرعي، وبن المحويت. تكتسب هذه الأصناف نكهاتها الفريدة من طبيعة التربة البركانية المعدنية، وتباين الارتفاع الجبلي (الذي يصل إلى 2500 متر فوق سطح البحر)، وندرة المياه التي تجعل الحبة تتركز في عصارتها، وتقاليد التجفيف الطبيعي التي حافظ عليها المزارعون اليمنيون لقرون.

أسواق البن اليمني العالمية - حضور في عصر القهوة المتخصصة

شهدت السنوات الأخيرة موجةً عالميةً من الاهتمام بـ"القهوة المتخصصة" (Specialty Coffee)، حيث يبحث هواة القهوة في العالم عن أصناف ذات أصول معروفة ونكهات استثنائية. في هذا السياق، عاد البن اليمني إلى الواجهة بقوة؛ إذ يُحقق في المزادات العالمية المتخصصة أسعاراً خيالية تتراوح بين 500 و1000 دولار للكيلوغرام أحياناً، ويُصنِّفه منتقو القهوة المحترفون بين أعلى درجات التميز.

→ المقال التالي
جزيرة سقطرى - جنة العالم المنسية وغالاباغوس المحيط الهندي
المقال السابق ←
وادي حضرموت - حضارة من الطين والنخيل في قلب الصحراء العربية الكبرى