في بقعة معزولة من المحيط الهندي، تبعد نحو 240 كيلومتراً عن ساحل اليمن الجنوبي و240 كيلومتراً عن سواحل الصومال، تستيقظ كل صباح جزيرة بدت كأن التطور فيها سار على نحو مختلف عن بقية كوكبنا. إنها سقطرى، الجزيرة التي وصفها الجغرافيون العرب القدامى بـ"الجزيرة الطيبة"، والتي لا يزال كثير من سكانها يتحدثون لغةً شفهيةً لا كتابة لها تعود إلى آلاف السنين، ويعيشون في تناغم مُذهل مع طبيعة لا مثيل لها.
شجرة دم التنين - أيقونة الجزيرة الخرافية
لا شيء يُجسّد سقطرى في وجدان العالم كشجرة دم التنين (Dracaena cinnabari). هذه الشجرة العجيبة التي تبدو وكأنها مظلة ضخمة أو فطر عملاق خرج من روايات الخيال العلمي، لا توجد في بريّتها الحقيقية في أي مكان آخر على وجه الأرض. تُهيمن على الهضاب الصخرية المرتفعة في الجزيرة، لا سيما هضبة فيرميهن الشهيرة، وتعطي المشهد طابعاً كأنه مستعار من كوكب آخر. يكتسب اسمها من صمغها الأحمر القاني الذي استخدمه الإغريق والرومان والأطباء العرب القدامى طيّباً وعلاجاً ودهاناً للتماثيل.
التنوع البيولوجي الفريد - أرقام تبهر العلماء
تضم سقطرى نحو 825 نوعاً من النباتات، منها 307 أنواع (أي 37%) لا توجد في أي مكان آخر على الأرض. وكذلك 90% من أنواع الزواحف المسجلة فيها، وبعض أنواع الطيور والحشرات الفريدة. هذا التنوع البيولوجي الاستثنائي دفع اليونسكو إلى تسجيل الجزيرة في عام 2008 ضمن قائمة مواقع التراث العالمي الطبيعي، معترفةً بها بوصفها من أهم مراكز التنوع البيولوجي في العالم.
النباتات الغريبة الأخرى - حديقة كونية
لا تنفرد دراكينا بالغرابة في سقطرى؛ فالجزيرة تحتضن كذلك شجرة الخيار البري (القثاء السقطري) ذات الجذع الانتفاخي الهائل التي تختزن المياه في صحراء الجزيرة الجافة، وشجرة البخور الشهيرة التي ازدهرت بها تجارة العرب القدامى مع روما والإغريق، ومئات الأنواع من الأعشاب والسرخس والأشنات التي ملأت الشقوق الصخرية بحياة صامتة لكنها ثرية.
شعاب مرجانية وحياة بحرية استثنائية
لا يقتصر تميّز سقطرى على اليابسة؛ فشعابها المرجانية التي تحيط بها من كل اتجاه تُعدّ من أعظم الشعاب في المحيط الهندي. تحافظ عزلة الجزيرة وضعف النشاط البشري على صحة هذه الشعاب بمستوى نادر عالمياً، مما يجعلها وجهةً حُلمية لعشاق الغوص وهواة مراقبة الحياة البحرية. تسبح في مياهها الفيروزية مئات أنواع الأسماك النادرة والحيتان والدلافين وثعابين البحر والسلاحف.
اللغة السقطرية - صوت يأبى الاندثار
يتحدث سكان سقطرى، الذين يتراوح عددهم بين 60,000 و70,000 نسمة، لغةً فريدة تُعدّ من أقدم اللغات الحية في العالم وأندرها. تنتمي اللغة السقطرية إلى المجموعة الجنوبية الشرقية من اللغات السامية، وليس لها أبجدية مكتوبة، مما جعل توثيقها تحدياً علمياً استقطب باحثين لغويين من مختلف أنحاء العالم. تضم اللغة ثروةً هائلةً من الألفاظ الخاصة بالنباتات والحيوانات والطقس والبحر، تعكس علاقةً حيةً راسخةً بين الإنسان وبيئته.
التحديات وضرورة الحفاظ على الجوهرة
تواجه سقطرى جملةً من التحديات المتشابكة التي تُهدد هذا الكنز الطبيعي والإنساني الفريد. يأتي في مقدمتها تأثير تغير المناخ، إذ رصد العلماء تراجعاً واضحاً في أعداد أشجار دم التنين وتجدد الغطاء النباتي الطبيعي. يُضاف إلى ذلك ضغوط التنمية غير المخططة والسياحة المتسارعة بعد تعافي الحركة السياحية، والتهديدات الناجمة عن الأعاصير المتكررة في بحر العرب. يُنادي علماء البيئة ومنظمات الحفظ الدولية بضرورة وضع خطط شاملة لإدارة سقطرى بما يكفل صون تنوعها البيولوجي للأجيال القادمة.
