يُعدّ وادي حضرموت من أعجب الظواهر الجغرافية والبشرية في شبه الجزيرة العربية. شق هذا الوادي الأسطوري مجراه في عمق الهضبة الصحراوية في الجنوب الشرقي من اليمن ليرسم خطاً أخضر فاتناً في وسط عالم مسكون بالجفاف والقسوة. يمتد الوادي لنحو 160 كيلومتراً بعرض يتراوح بين خمسة وعشرين كيلومتراً، ويرتفع عن سطح البحر بأكثر من 900 متر، محاطاً بجدران صخرية شاهقة تجعله شبه معزول عن العالم من الجانبين. وتنتشر على طول ضفافه مزارع النخيل والحبوب والبساتين الوفيرة، وسلسلة من المدن العريقة، أجمعها وأشهرها شبام التي ينتصب فيها "مانهاتن الصحراء".
شبام حضرموت - المدينة التي اخترعت ناطحات السحاب
تقف شبام الواقعة في قلب الوادي بوصفها إحدى أكثر المعالم الأثرية المدهشة في العالم العربي والعالم أجمع. هذه المدينة المسوّرة المؤسسة قبل القرن الثامن الميلادي تحتضن نحو 500 مبنى طيني يرتفع كل منها بين خمسة وأحد عشر طابقاً، بعضها يبلغ ارتفاعه 30 متراً. شيّدها أسلاف حضرموت على هذا النحو الشاهق عمداً: فالارتفاع حماية من الفيضانات الموسمية، وحصن منيع في وجه هجمات القبائل الغازية. أدرجتها اليونسكو عام 1982 ضمن قائمة التراث العالمي، وعُرفت بمسمى "أقدم ناطحات سحاب في العالم"، ومسمى "مانهاتن الصحراء".
الحضارمة في العالم - شعب قَدَره البحر والتجارة
لعل أكثر ما يُميّز حضرموت ويُشكّل هويتها الحقيقية هو موجات الهجرة التجارية الكبرى التي خرجت من هذا الوادي الضيق لتبلغ أصقاع الأرض بأسرها. عُرف أهل حضرموت منذ العصور الوسطى بمهارتهم التجارية وشجاعتهم البحرية وتمسكهم الراسخ بقيمهم وهويتهم حيثما حلّوا. انتشرت المجتمعات الحضرمية عبر سواحل أفريقيا الشرقية (تنزانيا وكينيا والصومال وجزر القمر) والهند وجنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي) وجزر المحيط الهندي. وفي إندونيسيا وحدها، يُقدَّر عدد ذوي الأصول الحضرمية بمئات الآلاف، فيهم رجال دين وتجار ووزراء وزعماء دينيون.
مدينة سيئون - قلب الوادي الثقافي
تُعدّ مدينة سيئون عاصمة حضرموت الثقافية والتاريخية، تُهيمن عليها قصر السلطان الذي يُمثّل أبرز نماذج العمارة الطينية الحضرمية ببياضه الناصع وأبراجه المتناسقة. يضم هذا القصر الذي تحوّل إلى متحف وطني مجموعات أثرية نادرة تعكس حضارة الوادي عبر عصورها المتعاقبة. تقع بالقرب منها مقبرة قبة النبي هود، التي يؤمّها الزوار من اليمن وإندونيسيا وماليزيا وجزر القمر وسواها في رحلات تجمع بين الحج والتواصل الحضاري.
البيئة الطبيعية - عجب في كنف الجفاف
لا يقتصر إبداع الوادي على المدن والناس؛ فالطبيعة نفسها أبدعت في حضرموت أيما إبداع. يحتضن الوادي غابات النخيل الكثيفة الممتدة على طول ضفافه لمئات الكيلومترات، ومزارع التبغ الشهيرة والموز والمانغو والحمضيات. كما تجود فيه بعض المناطق بنبات الحناء الأشهر في جزيرة العرب. وتتدفق مياه السيول الموسمية عبر شبكة من الأودية الفرعية لتغذي هذا الثراء الزراعي الذي جعل حضرموت بمثابة سلة غذاء طبيعية في قلب أشد صحارى الأرض قسوةً.
