6 نوفمبر، 2026
الرأي

حين تصير الأمُّ وطنًا !

محمد علي محسن 31 أكتوبر، 2026

في الفاتيكان (روما) يقف تمثال مايكل أنجلو الشهير «بييتا»: مريم العذراء تحمل المسيح بعد إنزاله عن الصليب . العالم المسيحي كله يبكي أمام ذلك الرخام، لكن رخامنا من لحم ودم؛ وبييتا تعز ليست منحوتة، هي أم تحمل ابنتها « مشيرة » بعد أن استشهدت دفاعًا عن وطنها وأحلامها .

وكلُّ زائر لروسيا سيرى نصبًا لأمٍّ في أكثر من شارع ومدينة، وعلى النصب عبارةٌ واحدة أضحت أيقونة وطنية وقومية يحفظها الصغار والكبار: «الوطنُ أمٌّ يناديكم». كانت تلك، بطبيعة الحال، دعوةً مباشرةً للالتحاق بالجبهات دفاعًا عن الوطن السوفيتي أثناء هجوم الجيش الألماني على ذلك البلد الكبير خلال الحرب العالمية الثانية.

أتأمل هذه الصورة الواقعية الملحمية لأمٍّ أو خالة لا فرق - الخالة توأم للأم - وهي تحمل جثمان الشهيدة مشيرة، فأجدني - لأول مرة - عاجزًا عن التعبير؛ فليست هناك كلمات تضاهي هذا الموقف التراجيدي المهيب بشموخه وإيثاره.

نعم، الروس نحتوا «الوطن أم يناديكم» من حجر، ونحن رأيناه لحمًا يمشي على طريق جبلي وعر . أمٌّ صبرية، ظهرها منحنٍ كقوس، لكنها شامخة كجبل صبر في وجه الغزاة ، والمفارقة في تعز أن الأم هي من يحمي الوطن .

على حدِّ علمي، لا توجد أسطورة يمنية أو بابلية أو إغريقية تماثل قصة الأم المكلومة الحاملة لروحها فوق كتفها؛ فحتى كلمات الشاعر محمود درويش في قصيدته الشهيرة «سقط القناع»:

حاصر حصارك... لا مفرُّ

سقطت ذراعك فالتقطها

واضرب عدوّك... لا مفرُّ

وسقطتُ قربك، فالتقطني

واضرب عدوّك بي.. فأنت الآن حرٌّ ..

ربما مثّلت لحظة مهيبة ، لكنها أقلُّ وأدنى من أن تصف وقفة هذه الأم وهي تقاوم جماعة البغي والخراب القادمة من كهوف الظلام إلى مدينة النور.

أمٌّ لا تحمل جثمان ابنتها فقط؛ إنها تحمل وطنًا صغيرًا، لا تُشيعه، وإنما توقظه في أذهاننا، وتحييه في أعماقنا جميعًا . وطنًا ينبغي أن يبقى حيًّا ويُصان من جحافل الهمجية والجهل والعبودية .

هذه ليست جنازة؛ الجنازات يسير فيها الناس خلف الميت، وهنا الميت يسير فوق الحي ، والشهيدة تحمل أمها ، وهي من تمنحها القوة لتمشي فوق الألم .

شارك هذا الموضوع
رجل من زمن الكبار
محمد علي محسن