الموعد بوست: وضاح الأحمدي
عادت الطوابير إلى عدن... ليست تلك التي اعتدناها أمام محطات البنزين، بل طوابير أطول وأصمّت، تمتد من الشيخ عثمان إلى دار سعد، ومن خور مكسر إلى التواهي والبريقة والمعلا، وفي نهايتها لا ينتظر الناس وقوداً لسياراتهم، بل ينتظرون "نَفَساً" لبيوتهم: أسطوانة غاز.
ما كان في البداية تأخير يومين، صار خلال أسابيع خنقاً كاملاً لمعيشة الناس، فلم تعد الحكاية أنبوبة تأخرت، بل حافلة لم تأتِ، وفرن لم يُوقد، وأم تقف في المطبخ تقلّب قدراً فارغاً.
الأرقام تقول ما لا يحتمل السكوت:
مصفاة صافر تضخ يومياً 52 مقطورة غاز، نصيب عدن منها تسع مقطورات فقط، وحتى بعد رفع الحصة إلى 65 مقطورة أسبوعياً، ما زلنا لا نملك نصف ما نحتاج، فالمدينة العاصمة تبتلع الغاز لأن البديل صار مستحيلاً: صفيحة البنزين بـ 30 ألف ريال، لذا هرب الناس إلى الغاز الأرخص بنسبة 60%، فقفز الاستهلاك 20% في عام واحد، على حصة كانت ضيقة أصلاً.
وحين يغيب الغاز، ينهار كل شيء بعده:
1. المواصلات انكسرت: السائق يقف ساعات في الطابور، أو يدفع ثمن البنزين فيخسر، فيختار إلغاء بعض الرحلات، فترتفع الأجرة.. الطالب الذي كان يركب بمبلغ صار يدفعه مرتين، والموظف الملتزم المثالي صار يتأخر أو يغيب، ومع اقتراب المدارس، أصبح الخوف ليس من الدفتر والقلم، بل من أن لا يصل الطالب إلى الصف أصلاً.
2. البيوت تجمّدت: للأسبوع الثالث على التوالي، مطابخ عدن شبه مشلولة، لا طبخ، لا شاي الصباح، ولا غداء ينتظر العائد من العمل، ومن لا يقدر على المطعم يجلس جائعاً.
3. الخبز اختفى: المخابز والمطاعم التي تعمل بالغاز تهدد بإطفاء نيرانها، فإذا توقف بيتك عن الطبخ، وتوقف الشارع عن الخبز، فأين تذهب الأسرة؟ هنا تتحول أزمة الوقود إلى أزمة غذاء حقيقية.
وبين هذا وذاك، تنمو في الظل شبكات تسرق الأنابيب وتبيعها خارج المدينة بسعر أعلى، وتغلق المحطات أبوابها بعد ساعات من الفتح، وتترك الناس واقفين في الشمس بلا غاز وبلا أمل أيضًا.. يقول البعض إن هناك من يفتعل الأزمة ليبيع المعاناة في السوق السوداء.. إذاً هو اقتصاد الحرب، تلك اللعنة التي يبرع فيها تجار الدم وصناع الموت.
الدرس قاسٍ ومباشر:
أنبوبة غاز غائبة = حافلة/سيارة متوقفة = فرن بارد = بطن جائع.
سلسلة واحدة إذا انقطعت حلقتها الأولى، سقطت كل الحلقات... ومن هنا تنطلق صفارة الإنذار.
صرخة:
أضحت أصوات الناس اليوم في عدن لا تحمل مطلباً سياسياً، هي صرخة بيت: نريد غازاً يصل بانتظام، نريد رقابة تمنع التلاعب، نريد محاسبة من يتاجر بجوعنا.
ومع تدهور القدرة الشرائية ودقّة أجراس المدارس، لم يعد الوقت طرفاً محايداً، كل يوم تأخير هو يوم إضافي تقضيه أم بلا طبخ، وطالب بلا مواصلات، وأسرة بلا عشاء، ومنزل بلا رائحة خبز وإدام.
عدن لا تحتاج وعوداً، تحتاج أن يعود الدفء إلى المواقد، والحركة إلى الشوارع، والطمأنينة إلى البيوت.
عدن لا تطلب المستحيل، تطلب غازاً يصل، وخبزاً يُطبخ، وطريقاً يوصل أولادها إلى المدرسة والوظيفة، فكل تأخير هو وجبة تُحذف من بيت، وحلم يتوقف، ومهمة يتم تأجيلها إلى حين ميسرة.
وهكذا يبدأ الانهيار... من موقد مطفأ.
